محمد علي الحسن
83
المنار في علوم القرآن
تأملنا الأحاديث نجد أن الأمر لا يدعو إلى الحيرة والدهشة ، فالأحاديث قد قررت الحقائق التالية كما يقول أستاذنا محمد الصادق عرجون : أولا : أن الروايات الثلاث الأولى كانت عن أول ما نزل من القرآن والجواب فيها كان من أبي سلمة بأن أول ما نزل ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، وجاءت معارضة يحيى بن أبي كثير لأبي سلمة ، بذكره له ما هو متداول عند أهل العلم بأن أول ما نزل من القرآن : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، وبيان أبي سلمة بأن جابرا قد قال له مثلما قال ، وساق له حديث تجلي جبريل وهو يناديه . ثانيا : أن الرواية الرابعة والخامسة تفيد أن الزهري أخبره أبو سلمة وسمع منه ما حدثه به جابر رضي اللّه عنه أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يحدث عن فترة الوحي ، وقد جاء فيه « فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس بين السماء والأرض » . ثالثا : أن جابرا رضي اللّه عنه لم يتعرض في حديثه إلى نفي أو إثبات أن قرآنا نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل فترة الوحي ، ولم يتعرض في حديثه لأبي سلمة لقصة غار حراء قبل فترة الوحي ، وما جرى فيها من أحداث كانت معروفة لأهل العلم من جمهور الصحابة ، وما نزل فيها من أوائل سورة العلق . ولعل جابرا لم يكن قد وصل إلى علمه شيء من قصة حراء ، وما نظن أن أحدا يزعم أن كل صحابي يجب عليه أن يحيط بجميع جزئيات وقائع الوحي . أو لعل جابرا رضي اللّه عنه كان على علم بقصة الوحي في غار حراء ، ولكنه لم يجعلها بمعرض حديثه لأبي سلمة في الجواب عن سؤاله ، لأن هذا الحديث كان في مناسبة خاصة ، هي عودة الوحي بعد فترة ولا شك أن أول ما نزل حينئذ هو : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنْذِرْ ، كما يدل عليه صراحة رواية الزهري بسنديها عن فترة الوحي . وقد حسم ابن حجر العسقلاني هذه المسألة حسما حكيما وموفقا فقال : دل قوله عن « فترة الوحي » وقوله : « الملك الذي جاءني بحراء » على تأخر نزول سورة المدثر عن اقرأ ، ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير عن هاتين الجملتين أشكل الأمر ، فجزم من جزم بأن : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، أو ما نزل ، ورواية الزهري هذه صحيحة ترفع الإشكال « 1 » .
--> ( 1 ) فتح الباري 1 / 28 .